مصطفى لبيب عبد الغني

34

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

ومن الملاحظ أن الرازي تخلص بالفعل من نقيصتين سادتا تصنيف العلوم من قبل ، أولاهما : تقسيم العلوم إلى علوم عقلية عليا « شريفة » وعلوم مادية دنيا « وضيعة » « 1 » ، وثانيتهما : الحرص على أن تظل العلوم العقلية الرفيعة بمنأى عن الاهتمام العام اللهم إلا عن صفوة العقلاء . ويتسع العلم عند الرازي ليشمل علوم الدنيا إلى جانب سائر العلوم الشرعية المقررة إذ ذاك ، وتصبح الصورة المثلى للعالم عنده - هي صورة الجمع بين حياة التأمل والعمل في ذات الوقت ، وهو ما سنبينه تفصيلا في الحديث عن تصوره لمنهج البحث في العلوم . ولا نعدم أن نجد صدى قويا لدعوة الرازي الرحبة فيما يسجله من بعد « أبو حيان التوحيدي » في رسالته القيّمة عن « العلوم » « 2 » ومع أن الرازي قد استوفى في نظريته عن العلم شروط الكلية والعموم ، فنادى بضرورة إدراك الكلى والعام المشترك في الجزئيات دون أن يقنع الباحث بالأمثله المفردة « 3 » ، وضرورة ألا يرتبط صواب الفكرة بأشخاص بعينهم أو بأوضاعهم المخصوصة وإنما يجب أن يكون صدقها عاما وكليا بالنسبة لكل من بلتزم بأدلة البرهنة عليها « 4 » ، فإن عالمنا الكبير كان على وعى بالتفرقة بين قضايا العلوم الصورية الاستنباطية والتي يكون صدقها ضروريا افتراضيا

--> ( 1 ) قارن مثلا : تصنيف العلوم عند « جابر بن حيان في : « كتاب الحدود » ص 100 ( ضمن : المختار من رسائل جابر بن حيان ، نشر كراوس ) . ( 2 ) وفي ذلك يقول « أبو حيان التوحيدي » في قيمة العلم ومعناه : « إنه قد سبق في قضايا العقول الصحيحة ، وثبت في مقدمات الألباب الصريحة ، أن العلم أشرف من الجهل ، بل لاشرف للجهل ، فيكون غيره أشرف منه ، لأن الجهل عدم . . وإذا كان العلم شريفا وأشرف من كل شئ فقد استوعب الجنس هذا العموم واشتمل على الأصل والفرع هذا الإطلاق ، لأن العلم بالألف واللام لا يختص بمعلوم دون معلوم ولا مشارا إليه دون مدلول عليه . فقد دخل في هذا الطي كل ما أنبأ عن شئ كان ذلك من قبيل الحس عند مصادمته ، أو من قبيل العقل عند مصادفته » . رسالة أبى حيان في العلوم » ص 296 ( من نشرة : Marc Berge , في : Bulletin d'Etudes Orientales de L'Institut francais De Damas , Tome XVIII , 1963 - 1964 . ( 3 ) الرازي : « الحاوي » ص 472 من مخطوط البودليانا . ( 4 ) قارن : « المناظرات بين الرازيين ص 367 من نشرة كراوس في orientalia .